فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وما في قوله: {كما أخرج} مصدريّة، والجار والمجرور في موضع الصّفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ليفتننّكم، والتّقدير: فُتونًا كإخراجه أبويكم من الجنّة، فإنّ إخراجه إياهما من الجنّة فتون عظيم يشبه به فتون الشّيطان حين يراد تقريب معناه للبشر وتخويفهم منه.
والأبوان تثنية الأب، والمراد بهما الأبُ والأمّ على التّغليب، وهو تغليب شائع في الكلام وتقدّم عند قوله تعالى: {ولأبويه} في سورة النّساء (11).
وأطلق الأب هنا عن الجدّ لأنّه أب أعلى، كما في قول النبي: أنا ابن عبدِ المطّلب.
وجملة: {ينزع عنهما لباسهما} في موضع الحال المقارنة من الضّمير المستتر في: {أخرج} أو من: {أبويكم} والمقصود من هذه الحال تفظيع هيئة الإخراج بكونها حاصلة في حال انكشاف سَوْآتهما لأنّ انكشاف السوءة من أعظم الفظائع في متعارف النّاس.
والتّعبير عمّا مضى بالفعل المضارع لاستحضار الصّورة العجيبة من تمكّنه من أن يتركهما عريانين.
واللّباسُ تقدّم قريبًا، ويجوز هنا أن يكون حقيقة وهو لباسٌ جلَّلهما الله به في تلك الجنّة يحجب سوآتهما، كما روي أنّه حِجاب من نور، وروي أنّه كقشر الأظفار وهي روايات غير صحيحة.
والأظهر أنّ نزع اللّباس تمثيل لحال التّسبّب في ظهور السوءة.
وكرّر التّنويه باللّباس تمكينًا للتّمهيد لقوله تعالى بعده: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31].
وإسناد الإخراج والنّزع والإراءة إلى الشّيطان مجاز عقلي، مبني على التّسامح في الإسناد بتنزيل السّبب منزلة الفاعل، سواء اعتبر النّزع حقيقة أم تمثيلًا، فإنّ أطراف الإسناد المجازي العقلي تكون حقائق، وتكون مجازات، وتكون مختلفة، كما تقرّر في علم المعاني.
واللاّم في قوله: {ليريهما سوآتهما} لام التّعليل الادّعائي، تبعًا للمجاز العقلي، لأنّه لمّا أسند الإخراج والنّزع والإراءة إليه على وجه المجاز العقلي، فجعل كأنّه فاعل الإخراججِ ونزععِ لباسهِما وإراءتِهما سوآتِهما، ناسب أن يجعل له غرض من تلك الأفعال وهو أن يُريهما سَوآتهما ليَتِم ادّعاء كونه فاعلَ تلك الأفعال المضرّة، وكونِه قاصدًا من ذلك الشّناعة والفظاعة، كشأن الفاعلين أن تكون لهم علل غائية من أفعالهم إتمامًا للكيد، وإنّما الشّيطان في الواقع سبب لرؤيتهما سوآتهما، فانتظم الإسناد الادّعائي مع التّعليل الادّعائي، فكانت لام العلّة تقوية للإسناد المجازي، وترشيحًا له، ولأجل هذه النّكتة لم نجعل اللاّم هنا للعاقبة كما جعلناها في قوله: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووُري عنهما من سوآتهما} [الأعراف: 20] إذ لم تقارن اللاّم هنالك إسنادًا مجازيًا.
وفي الآية إشارة إلى أنّ الشّيطان يهتم بكشف سوأة ابن آدم لأنّه يسرّه أن يراه في حالة سوء وفظاعة.
وجملة: {إنه يريكم هو وقبيله} واقعة موقع التّعليل للنّهي عن الافتتان بفتنة الشّيطان، والتّحذير من كيده، لأنّ شأن الحَذِرِ أن يَرصد الشّيء المخوف بنظره ليحترس منه إذا رأى بَوادره، فأخبر الله النّاس بأنّ الشّياطين تَرى البشر، وأنّ البشر لا يرونها، إظهارًا للتّفاوت بين جانب كيدهم وجانب حذر النّاس منهم، فإنّ جانب كيدهم قويّ متمكّن وجانب حذر النّاس منهم ضعيف، لأنّهم يأتون المكيد من حيث لا يدري.
فليس المقصود من قوله: {إنه يركم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} تعليم حقيقة من حقائق الأجسام الخفيّة عن الحواس وهي المسمّاة بالمجرّدات في اصطلاح الحكماء ويسمّيها علماؤنا الأرواح السفليّة إذ ليس من أغراض القرآن التّصدّي لتعليم مثل هذا إلاّ ما له أثر في التّزكية النّفسية والموعظة.
والضّمير الذي اتّصلت به إنّ عائد إلى الشّيطان وعُطف: {وقبيله} على الضّمير المستتر في قوله: {يريكم} ولذلك فصل بالضّمير المنفصل.
وذُكر القبيل، وهو بمعنى القبيلة، للدّلالة على أنّ له أنصارًا ينصرونه على حين غفلة من النّاس، وفي هذا المعنى تقريب حال عداوةِ الشّياطين بما يعهده العرب من شدّة أخذِ العدوّ عدوّه على غرّة من المأخوذ، تقول العرب: أتَاهم العَدوّ وهم غَارّون.
وتأكيد الخبر بحرف التّوكيد لتنزيل المخاطبين في إعراضهم عن الحذر من الشّيطان وفتنته منزلة من يتردّدون في أنّ الشيطان يراهم وفي أنّهم لا يرونه.
و{من حيث لا ترونهم} ابتداء مكان مبهم تنتفي فيه رؤية البشر، أي من كلّ مكان لا ترونهم فيه، فيفيد: إنّه يراكم وقبيلهُ وأنتم لا ترونه قريبًا كانوا أو بعيدًا، فكانت الشّياطين محجوبين عن أبصار البشر، فكان ذلك هو المعتاد من الجنسين، فرؤية ذوات الشّياطين منتفية لا محالة، وقد يخول الله رؤية الشّياطين أو الجنّ متشكّلة في أشكال الجسمانيات، معجزةً للأنبياء كما ورد في الصّحيح:
«إنّ عفريتًا من الجنّ تَفَلَّت عليّ اللّيلةَ في صلاتي فَهَمَمْت أن أوثقه في سارِية من المسجد» الحديث، أو كرامةً للصّالحين من الأمم كما في حديث الذي جاء يسرق من زكاة الفطر عند أبي هريرة، وقول النّبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «ذلك شيطان» كما في الصحيحين، ولا يكون ذلك إلاّ على تشكل الشّيطاننِ أو الجنّ في صورة غير صورته الحقيقيّة، بتسخير الله لتتمكّن منه الرّؤية البشريّة، فالمرئيّ في الحقيقة الشّكل الذي ماهيةُ الشّيطان من ورائه، وذلك بمنزلة رؤية مكانٍ يُعلم أنّ فيه شيطانًا، وطريق العلم بذلك هو الخبر الصّادق، فلولا الخبر لما عُلم ذلك.
وجملة: {إنا جعلنا الشيطان أولياء للذين لا يؤمنون} مستأنفة استئنافًا ابتدائيًا قصد منه الانتقال إلى أحوال المشركين في ائتمارهم بأمر الشّيطان، تحذيرًا للمؤمنين من الانتظام في سلكهم، وتنفيرًا من أحوالهم، والمناسبة هي التّحذير وليس لهذه الجملة تعلّق بجملةِ: {إنه يريكم هو وقبيله}.
وتأكيد الخبر بحرف التّأكيد للاهتمام بالخبر بالنّسبة لمن يسمعه من المؤمنين.
والجعل هنا جعل التّكوين، كما يعلم من قوله تعالى: {بعضكم لبعض عدو} [الأعراف: 24] بمعنى خلقنا الشّياطين.
و{أولياءَ} حال من {الشياطين} وهي حال مقدرة أي خلقناهم مُقدرة وَلايتُهم للّذين لا يؤمنون، وذلك أنّ الله جبل أنواع المخلوقات وأجناسَها على طبائِع لا تنتقل عنها، ولا تقدر على التّصرّف بتغييرها: كالافتراس في الأسد، واللّسع في العقرب، وخلق للإنسان العقلَ والفكر فجعله قادرًا على اكتساب ما يختار، ولما كان من جبلة الشّياطين حبّ ما هو فساد، وكان من قدرة الإنسان وكسبه أنّه قد يتطلّب الأمر العائد بالفساد، إذا كان له فيه عاجلُ شهوة أو كان يشبه الأشياء الصّالحة في بادئ النّظرة الحمقاء، كان الإنسان في هذه الحالة موافقًا لطبع الشّياطين، ومؤتمرًا بما تسوله إليه، ثمّ يغلِب كسب الفساد والشرّ على الذين توغّلوا فيه وتدرّجوا إليه، حتّى صار المالكَ لإراداتهم، وتلك مَرتبَة المشركين، وتتفاوت مراتب هذه الولاية، فلا جرم نشأت بينهم وبين الشّياطين ولاية ووفاق لتقارب الدّواعي، فبذلك انقلبت العداوة التي في الجبلة التي أثبتها قوله: {إنّ الشيطان لكما عدو مبين} [الأعراف: 22] وقوله: {بعضكم لبعض عدو} [الأعراف: 24] فصارت ولاية ومحبّة عند بلوغ ابن آدم آخرَ دركات الفساد، وهو الشّرك وما فيه، فصار هذا جعلا جديدًا ناسخًا للجعل الذي في قوله: {بعضكم لبعض عدو} كما تقدّمت الإشارة إليه هنالك، فما في هذه الآية مقيّد للإطلاق الذي في الآية الأخرى تنبيها على أن من حقّ المؤمن أن لا يوالي الشّيطان.
والمراد بالذين لا يؤمنون المشركون، لأنّهم المضادون للمؤمنين في مكّة، وستجيء زيادة بيان لهذه الآية عند قوله تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم} في هذه السورة (35). اهـ.

.قال القاسمي:

{يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} أي: لا يخدعنكم عن دخول الجنة، بنزع لباس الشريعة والتقوى عنكم، فيخرجكم من نظر الله بالرحمة إليكم: {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} نعت لمصدر محذوف، أي: لا يفتننكم فتنةً مثل إخراج أبيكم.
{يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} أي: الظاهر بسبب نزع لباس التقوى {لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} أي: الظاهرة الدالة على السوأة الباطنة. وجملة: {يَنْزِعُ} حال من: {أَبَوَيْكُمْ} أو من فاعل: {أَخْرَجَ} أي: أخرجهما نازعًا لباسهما، بأن كان سببًا في أن نزع عنهما، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة.
تنبيهان:
الأول: قال السيوطي في الإكليل: استدل بهذه الآية أيضًا على وجوب ستر العورة، واستدل بالآيتين من قال: إن العورة هي السوأتان خاصة. انتهى.
الثاني: قال الإمام الرازي: أعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم، وبين فيها شدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده، أتبعها بأن حذر أولاده من قبول وسوسة الشيطان، فقال: {يَا بَنِي ءَادَمَ} الآية، وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده، ولطف وسوسته، وشدة اهتمامه، إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة، فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى.
فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالإحتراز عن وسوسته.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} أي: جنوده من الشياطين: {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} أي: من مكان لا ترونهم فيه.
والجملة استئناف لتعليل النهي، وتأكيد التحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي، يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون.
عن مالك بن دينار: إن عدوًا يراك ولا تراه، لشديد المؤنة، إلا من عصم الله.
تنيبه:
قال السيوطي في الإكليل: قال ابن الفرس: استدل بها بعضهم على أن الجن لا يرون وأن من قال إنهم يُرون فهو كافر. انتهى.
ومراده بالبعض، المعتزلة، ولذا قال الزمخشري: فيه دليل بين أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة. انتهى.
وقال الجشمي: تدل على بطلان قول العامة إن الشيطان يتصور لنا ونراه، ثم قال: ومتى قيل: أليس يُرون زمن الأنبياء، ويرى المعاين الملَك؟ فجوابنا: أنه يزداد قوة الشعاع أو تتكاثف أبدانهم، فيكون معجزة للنبي. انتهى.
وأجاب أهل السنة كما في العناية: بأنه قد ثبتت رؤيتهم، بالأحاديث الصحيحة المشهورة، وهي لا تعارض ما في الآية لأن المنفي فيها رؤيتهم إذا لم يتمثلوا لنا.
وقال في فتح البيان: وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشيطان غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه وليس فيها أنا لا نراه أبدًا، فإن انتفاء الرؤية منًّا له، وفي وقت رؤيته لنا، لا يستلزم انتفاءها مطلقًا.
والحق جواز رؤيتهم كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتكون الآية مخصوصة بها، فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض. انتهى.
وقد أوضح الغزالي رحمه الله رؤيا الجن والشياطين برؤيا الملائكة حيث قال في الركن الثاني: الملائكة والجن والشياطين جواهر قائمة بأنفسها مختلفة بالحقائق اختلافًا يكون بين الأنواع، ثم قال: ويمكن أن تشاهد هذه الجواهر- أعنى جواهر الملائكة- وإن كانت غير محسوسة، وهذه المشاهدة على ضربين:
إما على سبيل التمثيل، كقوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}.
وكما كان النبي عليه الصلاة والسلام، يرى جبريل في صورة دَحْيَة الكلبي.
والقسم الثاني: أن يكون لبعض الملائكة بدن مخصوص، كما أن نفوسنا غير محسوسة ولها بدن محسوس هو محل تصرفها وعالمها الخاص بها، فكذلك بعض الملائكة، وربما كان هذا البدن المحسوس موقوفًا على إشراق نور النبوة، كما أن محسوسات عالمنا هذا موقوفة عند الإدراك على إشراق نور الشمس، وكذا في الجن والشياطين. انتهى.
وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال الزجاج: يعني سلطناهم عليهم، يزيدون في غيهم. انتهى.
والجملة تعليل آخر للنهي، وفيه تحذير أبلغ من الأول. اهـ.